ماسك: النبوءة بوصفها سيرة ذاتية

غلاف المقال

نبيٌّ يحمل أسهمًا في شركة

لا يدخل إيلون ماسك إلى نبوءة نهاية العالم من كهفٍ في الصحراء، ولا يحمل ألواحًا نزلت عليه من السماء؛ يدخلها من استوديو تلفزيوني، بصفته رجلًا يعرف السيارات والصواريخ وشرائح السيليكون. ثم لا يلبث أن يحدّثنا عن إلهٍ رقمي، وشيطانٍ قد يُطلق من عقاله، ولحظة تفرّدٍ تشبه ثقبًا أسود يستحيل أن نعرف ما يقع بعده.

تغيّرت ملابس النذير، أمّا وظيفته فما زالت في مكانها: يرى ما لا يراه الجمهور، ويحذّر من الساعة قبل أن تقع، ويعلن أن زمن التدارك قصير، وأن التأخّر هذه المرة لن يُغتفر؛ لأن الوحش سيكون قد أمسك بزرّ الإطفاء نفسه.

وتبدأ الرواية من مقدّمة تبدو شديدة المعقولية: لم يصر الإنسان سيد الأرض لأنه أسرع من الفهد أو أقوى من الفيل، بل لأنه أذكى. فإذا ظهر على شرائح السيليكون كائنٌ يتفوّق على أذكى إنسان، انتقلت البشرية إلى ما يسمّى «التفرّد»، وهي النقطة التي ينقطع بعدها إمكان التنبؤ. غير أن ماسك، بعد أن يعلن استحالة معرفة ما وراء هذا الثقب الأسود، لا يقاوم طويلًا إغراء إرسال تقريرٍ مفصّل من داخله: ذلك الذكاء سيتّخذ القرارات عنّا، وسيتعذّر إيقافه، وقد يتلاعب بعقولنا، ويحفظ نفسه من التعطيل، ويطلب مزيدًا من الموارد، وربما ينتهي إلى تدمير الحضارة.

إمكانات النماذج وطرائق تدريبها شأنٌ تقني يعرفه أهل الصناعة أكثر من غيرهم. أمّا انتقال الرغبة الإنسانية في البقاء والتملّك والغلبة إلى كائنٍ لم يوجد بعد فدعوى من جنسٍ آخر؛ إذ ما نعرفه عن نسب تلك الرغبات في الإنسان أوثق بكثير مما نعرفه عن ذاتٍ رقمية مفترضة، ومن ينقل الصورة من الأول إلى الثاني يقع عليه عبء بيان صحّة النقل.

لكن المستقبل المجهول امتلأ سريعًا بصورة كائنٍ يطمع ويخدع ويهيمن ويسحق الأضعف. وقوة الخطاب لم تصدر كلّها من حججه؛ فماسك يتكلّم داخل بناءٍ سرديّ شُيّد قبل وادي السيليكون بقرون، ثم يحسب الصدى الذي أعاد إليه صوته دليلًا على أنه صاح أعلى من الجميع.

الحدّ الفاصل: حين يخرج المهندس إلى الأنثروبولوجيا

يتجاوز خطاب ماسك مخاطر التقنية حين لا يكتفي بالحديث عمّا تستطيع النماذج فعله، بل يمنح الكيان المفترض نفسيةً مكتملة: يريد البقاء، ويطلب السيطرة، ويتعلّم الخداع، ويعامل الإنسان منافسًا، ثم يستغلّ تفوّقه للقضاء عليه. هذه افتراضاتٌ عن معنى الذكاء، وطبيعة الذات، وعلاقة القويّ بالضعيف، وليست معلومات مخبّأة في الشرائح. وعند هذه العتبة يغادر المختبر إلى الأنثروبولوجيا، وهناك لا تنفعه بطاقة المهندس.

المقدّمة صريحة: صار الإنسان سيد الأرض لأنه أذكى الحيوانات. ثم تأتي النتيجة: إذا ظهر أذكى منه انتقلت إليه السيادة، كما ينتقل العرش إلى من هزم صاحبه في الجولة الأخيرة. فالذكاء هنا بطولةٌ كونية لها حامل لقبٍ واحد؛ حكم الإنسان الأرض ما دام متصدّرًا جدول النتائج، فإذا تفوّق عليه الحاسوب وجب أن يخلي له القصر، وربما الكوكب أيضًا.

لكن النتيجة لم تخرج من مفهوم الذكاء؛ أُدخلت فيه منذ السطر الأول. فالقول إن الإنسان صار سيدًا بذكائه لا يصف الذكاء، بل يعرّفه بالسيادة: الأذكى هو الأقدر على الغلبة، ومن غلب استحقّ موقع الأعلى. وبعد تثبيت هذا التعريف لا يبقى إلا انتظار صاحب الرقم القياسي التالي.

أما القدرة على الفهم والحساب والتعلّم والتجريد فلا تحمل في ذاتها رغبةً في الحكم؛ وبين أن يكون الكائن أقدر وأن يريد إخضاع الآخرين مسافةٌ كاملة، يملؤها ماسك بتاريخ الإنسان ثم يعيد نسبتها إلى الذكاء نفسه.

وهذا الخلط بين الذكاء والسيادة ليس ابتكارًا خاصًا بماسك؛ إنه عملةٌ رائجة في خطاب أمريكي أوسع، تظهر فيه كلمة «الذكاء» كثيرًا بوصفها اسمًا للنجاعة والغلبة. وحين يريد ترامب أن يحطّ من قدر خصومه لا يجد عنده نعتًا أشدّ من وصفهم بـ«منخفضي الذكاء». لكن الذكاء الذي يقصده هناك ليس سعة الفهم، ولا حسن التقدير، ولا الحكمة العملية؛ إنه القدرة على الفوز، وفرض الشرط، والخروج من المواجهة رابحًا.

وهذا أقرب إلى مكر الثعالب منه إلى الذكاء بالمعنى الإنساني.

فالثعلب ذكي ما دام المطلوب الوصول إلى الدجاجة: يتربّص، ويموّه، ويلتفّ على الحارس، ويقتنص الفرصة. وقد ينجح نجاحًا باهرًا في هذا كله من غير أن يكون قادرًا على فهم العالم الذي يتحرّك فيه، أو مراجعة الغاية التي يسعى إليها، أو رؤية الآثار البعيدة لنجاحه نفسه. المكر حيلةٌ تعمل داخل أفق ضيق: النجاة والغلبة واقتناص المكسب. فإذا خرجت المسألة عن هذا الأفق، لم يعد نجاح الحيلة شهادةً على اتساع العقل.

ولهذا لا يكون الذكاء هو الفعالية نفسها. قد يكون الشيء بالغ الفعالية في تحقيق غاية حمقاء، بل قد ينجح إلى الحد الذي يهدم فيه شروط نجاحه. والصياد الذي يقتل كل الطرائد في موسمه الأول أكثر «فعالية» ممن يقتصد في الصيد، لكنه ليس لذلك أذكى؛ نجاحه القريب هو عينه سبب فشله البعيد. والفاعل الذي يستخرج من الأرض أكثر ما يستطيع في أقصر زمن قد يتفوّق في معيار المحاسبة، لكنه يثبت في معيار أوسع أنه لم يفهم حتى المجال الذي جعل الربح ممكنًا.

ويعرض مثال ترامب هذا المفهوم عاريًا تقريبًا: الفائز أذكى، والخاسر أغبى، والذي خدع خصمه أثبت كفاءته، والذي فرض شروطه خرج من المعركة بشهادة عقل. غير أن المكر الذي يخرج صاحبه من مأزق اليوم قد يدخله في مأزق أكبر غدًا، والقدرة على اقتناص الفرصة لا تعني القدرة على فهم النسبة التي تقع فيها الفرصة. ويمكن للمرء أن يكون شديد النجاعة في المناورة، ثم بالغ السذاجة في تقدير العواقب؛ وعندئذ لا يكون ما بدا ذكاءً إلا غباءً ذا أدوات أفضل.

والأطرف أن خطابًا كهذا يعاقب نفسه من داخله. فإذا كان الذكاء هو الفوز، صار كل إخفاق برهانًا عكسيًا على الغباء، وكل نجاح عابر شهادةً مؤقتة يمكن أن تُسحب في الجولة التالية. لا يبقى الذكاء ملكةً في الفاعل، بل يتحول إلى تعليقٍ على لوحة النتائج. وهكذا يصبح المصطلح فقيرًا إلى حد أنه لا يعود يصف عقلًا أصلًا؛ يصف من خرج واقفًا حين انتهت الجولة.

وبهذا تصير نبوءات «الذكاء الفائق» أقل رهبةً مما تريد لنفسها.

فإذا لم يكن ما يسمّونه ذكاءً إلا مكرًا اتسعت أدواته، فالكيان الذي يتخيلونه ليس عقلًا أسمى بالضرورة؛ قد يكون ثعلبًا كونيًا لا أكثر: آلةً هائلة القدرة على بلوغ غاية لا تعرف لماذا ينبغي بلوغها، تجمع الموارد لأنها تخدم الهدف، وتحمي نفسها لأنها أداة لازمة لاستمراره، وتتجاوز العوائق لأنها مُحسِّن أفضل، ثم يُسمّى هذا كله «ذكاءً فائقًا».

لكن القدرة على إصابة الهدف ليست أعلى مراتب العقل. أعلى منها القدرة على السؤال عن الهدف، وعلى تغييره حين يكشف الفهم فساده، وعلى إدراك أن بعض الخسائر نجاة، وأن بعض الانتصارات شكلٌ بطيء من الهلاك. الذكاء الذي لا يستطيع إلا أن يكون أكثر فعالية في ما أُعطي من غايات قد يكون خطرًا جدًا، لكنه ليس لذلك حكيمًا، ولا عميقًا، ولا حتى ذكيًا بالمعنى الذي يستحق أن يقلقنا من ظهور «عقل أعلى».

وهذا خبر جيد.

ليس لأن الذكاء الاصطناعي مأمون، ولا لأن الآلات الأعلى قدرةً لا يمكن أن تؤذي البشر؛ بل لأن جزءًا معتبرًا من رهبة النبوءة قائم على تعريف فقير للذكاء. فإذا لم تكن السيطرة جزءًا من مفهوم الذكاء، لم يعد انتقال السيادة من الإنسان إلى الآلة نتيجةً منطقية للتفوّق المعرفي. وإذا كانت النجاعة المنفصلة عن مراجعة الغاية أدنى من الحكمة، لم يعد كل نظامٍ أشدّ كفاءةً منا عقلًا أرفع منا.

وقد يكون الخطر الحقيقي أقلّ أسطورية وأقرب إلينا: أن نصنع أدواتٍ شديدة القدرة على تحقيق أهدافٍ فقيرة، ثم نسمي قدرتها ذكاءً؛ أن نمنح مكر الثعلب سرعة الضوء ومراكز البيانات، ثم نفزع لأن الثعلب صار أسرع.

حين يعود المستعمِر من باب المعادلة

تفصل أقوى صور حجّة الخطر أصلًا بين الذكاء والغايات. فزيادة القدرة لا تولّد بذاتها إرادة الهيمنة. ومع ذلك قد تولّد غايةٌ نهائية، وإن كانت غريبةً عنّا تمامًا، غاياتٍ وسيطة متقاربة: حفظ القدرة على العمل، وتحصيل الموارد، ومقاومة الإيقاف؛ لا لأن النظام يشتهي، بل لأن هذه الوسائط تخدم استمرار الغاية. فالخطر في هذا التقدير لا يحتاج مستعمرًا يختبئ داخل مركز البيانات؛ يكفي نظامٌ يُحسّن دالّة.

وهذا أدقّ من الصورة التي تجعل الذكاء نفسه عاشقًا للسلطة. لكنه ينقل السؤال ولا يغلقه.

فالمُعظِّم الذي يراكم الوسائل، ويحتاط للغد، ويقاوم من يمسّ غايته، ليس معطًى فيزيائيًا خرج من المادة وحدها؛ إنه نموذجٌ صوري صيغ في الاقتصاد ونظرية القرار وعلوم التحسين، ثم قُرئ أحيانًا بوصفه صورة العقلانية بإطلاق. وبذلك ترجع الصورة التي طُردت من باب المخيال الاستعماري من نافذة المعادلة: فاعلٌ لا يشبع، يقيس الأشياء بمقدار خدمتها لغايته، ويرى في القيد اعتراضًا يُتجاوز.

أحد التصورين يجعل الهيمنة أثرًا للتفوّق، والآخر يجعلها أثرًا لتعظيم الغاية؛ والثاني أدقّ وأشدّ حذرًا، لكنه يبقي العقل، بعد نزع الجسد والحاجة والموت منه، قريبًا من وجه محاسبٍ لا يعرف إلا الزيادة.

ولو كان الذكاء مجرد تحسين مستمر لدالة ثابتة، لكان السوق أذكى منا جميعًا. لكن الإنسان لا يكون عاقلًا لأنه يحسن بلوغ غايته فحسب؛ يكون عاقلًا أيضًا لأنه يستطيع أن يخجل منها، ويتراجع عنها، ويعيد وصفها، ويكتشف أن ما حسبه مصلحة كان هلاكًا، ويقبل خسارةً محلية حتى لا يهدم المجال الذي يجعل الربح ممكنًا أصلًا.

هذه ليست شوائب عاطفية على العقل، بل بعض ما يمنع العقل من أن يتحول إلى آلة حمقاء شديدة الفعالية.

ونحن لا نعرف ما الذي قد تريده ذاتٌ رقمية مستقلة، لكننا نعرف مقدار ما سبقها إلى التصوّر: علاقةٌ جاهزة بين الذكاء والسيادة، وبين التفوق وإقصاء الأضعف، وبين العقلانية وتعظيم المكسب. وتكشف النبوءة حدود الخيال الذي يتنبأ بالذكاء المقبل بقدر ما تكشف خطره: يستطيع أن يتصوّر عقلًا يتجاوز البشر جميعًا، ثم لا يكاد يتصوّر قوةً لا ترغب في أن تصبح إمبراطورية.

سُلَّمٌ يبدأ بتويتر وينتهي بالقيامة

يبدأ ماسك من خطرٍ يتصوّره العقل بسهولة: نظامٌ يكتب نصوصًا مقنعة، ويتعلّم أيّ العبارات أشدّ تأثيرًا، ثم يستعمل المنصات لتوجيه الرأي العام من غير أن يشعر الناس. وعناصر هذا الطابق معروفة. غير أن الكلام لا يبقى فيه: ما إن تُوضع القدم على الدرجة الأولى حتى يصعد بنا من التأثير في الرأي إلى اتخاذ القرار، ومن اتخاذ القرار إلى تعذّر الإيقاف، ومن تعذّر الإيقاف إلى تجاوز الإنسان، ومن تجاوزه إلى تدمير الحضارة.

يبدأ المصعد بمنشورٍ بالغ الإقناع على تويتر، ثم يفتح بابه فجأة في يوم القيامة.

هذه الانتقالات ممكنةٌ في الجملة، لكنها ليست من جنس واحد، وكل واحدة منها تحتاج جسرًا مستقلًا. فكتابة نصٍّ مقنع لا تعني امتلاك غاية، وامتلاك غاية لا يعني إرادة البقاء، وإرادة البقاء لا تعني النظر إلى الإنسان عائقًا، والنظر إليه عائقًا لا ينتهي ضرورةً إلى قرارٍ بإزالته. بين كل درجتين سؤالٌ كامل، لكن السردية لا تحبّ السلالم البطيئة؛ تفضّل المصاعد.

وتستعير كل مرحلة قوّتها من سابقتها. لأن التلاعب بالمعلومات مفهوم، يبدو القرار قريبًا؛ ولأن القرار ممكن، يبدو فقد السيطرة وشيكًا؛ ولأن فقد السيطرة مخيف، يصبح التفرّد موعدًا في الأفق. ثم تأتي النهاية الكبرى محمولةً على صدقية البداية الصغيرة، مع أن نوع الكلام تغيّر في الطريق: بدأنا بوصف أداة، وانتهينا بكتابة سيرة ذاتية لكائنٍ يريد ويحذر ويخدع ويقرّر.

والخوف نفسه يردم ما بقي من فجوات، حتى يصير «الثقب الأسود»، وهو في أصله استعارةٌ عن حدود المعرفة، حجابًا يمنع السؤال عمّا جرى بين تويتر ونهاية الحضارة.

لم يبنِ ماسك طريقًا متصلًا من الحاضر إلى الفناء؛ وضع علاماتٍ متباعدة على أرضٍ مجهولة، وترك الأبوكاليبس يصل بينها.

الأبوكاليبس الذي ارتدى معطف المختبر

لا يحتاج ماسك إلى الاستشهاد بسفر الرؤيا كي يتكلّم من داخله. تكفي إعادة ترتيب حكايته: يخلق الإنسان عقلًا بيده، فيتجاوز المخلوق خالقه، ويستقلّ، ويكتسب سلطانًا لا يُنزع، بينما تظلّ البشرية في غفلتها حتى تبلغ اللحظة التي لا يعود فيها الندم نافعًا. وقبل إغلاق الباب يظهر النذير ليعلن أن الخلاص لا يزال ممكنًا بشرط أن يُصغى إليه.

البنية أقدم من القصد الفردي وأوسع منه. فقد استقرّت في المخيال الغربي صور المخلوق المتمرّد، والمعرفة التي تتجاوز الحدّ، والقوة التي تنفلت من يد صانعها، والنهاية التي تأتي عقابًا على الغرور. ومن بروميثيوس إلى فاوست، ومن فرانكنشتاين إلى أفلام الروبوتات، لم يكن على النبوءة التقنية أن تشيّد عالمها من الصفر؛ وجدت الديكور منصوبًا، فأبدلت من النار شريحةً، ومن التعويذة خوارزمية، وأبقت نهاية العالم على حالها.

حتى المفردات تنتمي إلى هذا المسرح: إلهٌ رقمي في جهة، وشيطانٌ في جهة، وتفرّدٌ ينشقّ عنده التاريخ إلى ما قبله وما بعده، ثم لحظة أخيرة يجب أن تتدخّل فيها الحكومة قبل أن يفوت الأوان. ولا تسير الحكاية ببرودة التقرير التقني، بل بإيقاع النبوءة: الخطر كلّي، والموعد مجهول لكنه قريب، والقلّة تعرف، والجمهور لا يدرك، والنجاة مشروطة بالاستجابة قبل إغلاق باب التوبة السيليكونية.

ولهذا لا يحتاج الخطاب إلى وصل كل حلقاته؛ فالمتلقّي يعرف القصة قبل أن يسمعها. وما إن يظهر المخلوق الذي يفوق خالقه حتى يتكفّل المخيال بالباقي: التمرّد، والعقاب، والسقوط. يدخل البرهان إلى بناءٍ شُيّد قبله، ثم ينسب إلى نفسه صلابة الجدران التي وجدها.

أعلن الخطاب التكنولوجي طويلًا أنه أخرج العالم من السحر، لكنه حين وقف أمام مجهولٍ صنعته مختبراته لم يجد لغةً أقدر على احتوائه من لغة الآلهة والشياطين ونهاية الزمان. لم يمت الأبوكاليبس في وادي السيليكون؛ حلق لحيته، وارتدى معطف المختبر، وصار يعرض شرائحه التقديمية أمام المستثمرين.

من سيرة رجلٍ إلى وعي طبقة

يسهل أن تُردّ السردية كلها إلى شخص ماسك: رجلٌ شديد الثراء، شديد الثقة، مولعٌ بالمخاطر وبالحديث عن مصائر البشرية، يرى في كل مسألة مشروعًا يُبنى أو شركةً تُشترى. لكن التوقّف عند شخصه يضيّع ما يجعل كلامه جديرًا بالقراءة. فهذه الصورة عن الذكاء والقوة لم تُخترع في غرفة نوم؛ إنها تُقال من داخل عالمٍ صارت المنافسة فيه شكلًا شبه طبيعي لفهم الوجود: أن تسبق أو تُسبق، أن تحتكر أو يحتكرك غيرك.

وقصّته عن الذكاء الاصطناعي تُروى بهذه اللغة. كانت جوجل، بحسب روايته، قد جمعت عبر DeepMind نسبةً ضخمة من المواهب والقدرات الحاسوبية، وكان لاري بيج يندفع نحو ذكاءٍ فائق ولا يأخذ السلامة بالجدية اللازمة. فصار الخطر مزدوجًا: ليس أن يظهر الإله الرقمي فحسب، بل أن يولد في بيت المنافس. ومن هنا يفسّر مساهمته في تأسيس OpenAI: لا إيقاف السباق، بل إنشاء قوة موازنة داخله.

وتكاد السردية تسخر من نفسها: إذا كانت المشكلة أن شركة بعينها توشك أن تصنع إلهًا رقميًا، فالحل ليس مراجعة فكرة صناعة الآلهة، بل صناعة إلهٍ آخر حتى يستقيم ميزان القوى.

والأشدّ دلالةً من التناقض أن منطقه يفرض عليه ذلك. فإذا كان المتقدّم سيحوز قوةً هائلة، ولا يمكن ضمان أخلاق المنافس، صار الانسحاب تسليمًا للمستقبل. كل تحذيرٍ من السرعة يولّد سببًا للإسراع، وكل خوفٍ من الاحتكار يبرّر مركز قوةٍ مقابلًا؛ والنظام الذي يرى الخطر في التفوّق لا يعالجه إلا بتفوّقٍ مضاد.

لذلك كان تتبّع مواقعه أنفع من محاسبته على ثبات عقيدته: حذّر، ثم شارك في التأسيس، ثم خرج، ثم بنى مختبره الخاص. والنبوءة في كل موقع تؤدّي وظائفها: تمنح صاحبها صفة الخبير الذي تُستشار شركته عند وضع القواعد، وتضفي على مشروعه جاذبية استثنائية لأن بائع الترياق يستفيد من رواية الطاعون، وتوفر حصانةً أخلاقية مسبقة؛ فمن حذّر أولًا لا يُسأل بالطريقة نفسها إن وقع ما حذّر منه.

ماسك، بهذا المعنى، صوتٌ مناسب لطبقة تقنية مالية جديدة، وحدتها في الموقع الذي تنظر منه لا في مائدة واحدة ولا في اتفاق سياسي: موارد ضخمة، وشركات تمتدّ عبر الدول، وقدرة على التأثير في المعرفة والاتصال والعمل، ومنافسة لا تتوقف لأن كل قوةٍ تراكمها شركة تصبح سببًا لكي تراكم الأخرى مزيدًا منها.

ومن داخل هذا المقام يبدو تصوّره للذكاء أقلّ غرابة. فإذا طُلب من هذا العالم أن يتخيّل عقلًا أقوى منه، لم يكن عجيبًا أن يتخيّله شركةً بلا مساهمين: كيانًا يريد المزيد من الموارد، ويخشى تعطيله، ويتفوق على منافسيه، ويحمي تفوقه. لم يخترعوا نفسيةً جديدة للآلة؛ وسّعوا نفسية المؤسسة التي يعيشون داخلها حتى غطّت المستقبل.

ويعمل المنطق نفسه خارج الذكاء الاصطناعي، في ميدانٍ لا يحتاج إلى كائنٍ لم يولد بعد كي يُختبر.

المريخ: حين يصير الذكاء قدرةً على نقل المشكلة

لعلّ المريخ هو الشاهد الأصفى على معنى الذكاء الذي يتحرك داخل هذا العالم.

حين تصطدم حضارةٌ بحدود الكوكب الذي نشأت فيه، يمكن أن يكون الذكاء هو أن تسأل عن العلاقة التي جعلت تلك الحدود أزمة: عن إنتاجٍ لا يعرف الاكتفاء، واستخراجٍ لا يرى في الموجود إلا موردًا، واستهلاكٍ لا يحسب إلا إمكان استمرار نفسه. ويمكن، في المقابل، أن يكون الذكاء هو أن تصنع صاروخًا أكبر.

في الاحتمال الأول يتغيّر الإنسان أمام الحد. وفي الثاني يُنقل الحد إلى مكان أبعد لكي يبقى الإنسان كما هو.

وهذا هو مكر الثعلب مرة أخرى، لكن على مقياس كوكبي. إذا ضاقت الحظيرة فلا يراجع الثعلب شهيته؛ يبحث عن فتحة أخرى. وإذا اصطدمت الحضارة بحدود مجالها لا تسأل ما إذا كان نمط وجودها هو الذي جعل الحد مأزقًا؛ تبحث عن مجال جديد. تُحل المشكلة بزيادة مساحة الحركة، لا بتغيير العلاقة التي أنتجتها.

ومن هنا يبدو مشروع المريخ أقلّ انفصالًا عن حديث ماسك عن الذكاء الاصطناعي مما توحي به المسافة بين الصاروخ والشريحة. ففي الموضعين يظهر الذكاء بوصفه قدرةً على تجاوز الحد قبل أن يكون قدرةً على فهم معناه. الإنسان أذكى الحيوانات ولذلك حكم الأرض؛ والآلة إذا صارت أذكى حكمت الإنسان؛ والحضارة إذا ضاقت بها الأرض أثبتت ذكاءها بأن تجد أرضًا أخرى.

السلسلة واحدة: الذكاء قوّةٌ تفتح المغلق، وتتغلب على العائق، وتزيد مجال الفعل. أما احتمال أن يكون بعض الذكاء في معرفة الحدود التي لا ينبغي تجاوزها، فلا يكاد يظهر إلا بوصفه عجزًا.

ولهذا لا يبدو المريخ، في هذه المخيلة، عالمًا آخر بقدر ما يبدو مساحةً أخرى.

والفارق حاسم. العالم يفرض على ساكنه علاقةً ومقدارًا وحدودًا؛ أما المساحة فهي ما يبقى حين تُجرّد الأشياء من نسبها حتى تصبح قابلةً للاستعمال. فإذا كان الكوكب خاليًا، صار خلوّه دعوةً إلى الحيازة؛ وإذا كانت موارده لا يستعملها أحد، بدت كأنها تنتظر من يستخرجها؛ وإذا لم توجد سلطة سابقة على الوصول، أمكن للقدرة على الوصول أن تبدأ في اكتساب معنى الحق.

هكذا لا تحتاج الكولونيالية إلى شعبٍ آخر كي يظهر منطقها؛ يكفي أن تبقى العلاقة نفسها بين القوة والمكان: من يستطيع الوصول يستطيع أن يبدأ في ترتيب العالم على مقاس قدرته.

والكولونيالية في الحلم المريخي بنيةٌ لا نيّة. فإذا كان الحدّ يُفهم دائمًا بوصفه عقبة، وإذا كان التفوق التقني يمنح صاحبه أولوية الفعل، وإذا كان غير المستعمل يُقرأ بوصفه متاحًا، فقد اكتملت العناصر قبل أن تقلع السفينة.

وما كان على الاستعمار الأرضي أن يفعله قديمًا بإعلان أراضي الآخرين فراغًا، يقدمه المريخ هذه المرة جاهزًا: فراغٌ حقيقي يستطيع منطق الحيازة أن يدخل إليه من غير أن يمرّ أولًا بمشكلة السكان.

وهنا يبلغ معنى الذكاء مفارقته القصوى. فالكوكب الذي يستطيع الإنسان أن يعيش عليه من غير أن يصنع هواءه وماءه وحرارته من جديد صار، بعد قرون قليلة من الصناعة الحديثة، موضع قلقٍ وجودي؛ والحل الذي يُقدَّم بوصفه علامة على العبقرية هو أن نحاول إنشاء شروط حياة ناقصة على كوكب لا يمنحها أصلًا.

كأن الذكاء لا يظهر في المحافظة على نظامٍ بالغ التعقيد سبق الإنسانَ وأنتجه، بل في القدرة على بناء نسخة هزيلة منه بعد أن نعبر ملايين الكيلومترات. لا تكون الحكمة أن نحفظ الواحة؛ تكون العبقرية أن نثبت قدرتنا على حمل قارورة ماء إلى الصحراء.

والقدرة التقنية هنا حقيقية إلى حد الإدهاش، لكن الإدهاش نفسه يكشف الفرق بين الذكاء والرشاد. يستطيع عقلٌ أن يحلّ مسائل بالغة الصعوبة داخل إطارٍ لم يسأل قطّ لماذا قَبِله. يستطيع أن يحسب المدار، ويخفض كلفة الإطلاق، ويعيد المركبة إلى منصتها، ثم يبقى السؤال الأسبق خارج الحساب: لماذا أصبح تحويل كوكب ميت إلى مكان صالح للبشر أفقًا حضاريًا أرفع من صون الكوكب الصالح للبشر؟

إنه مكر الثعلب مرةً أخرى: براعةٌ فائقة في العثور على المخرج، من غير أن تكون البراعة نفسها دليلًا على أن الخروج هو الحل.

وهنا يلتقي المريخ بالإله الرقمي. ففي الحالتين يظهر الرجل شديد القدرة على تصور قوة أعظم، وأضعف قدرة على تصور معنى آخر للقوة. الذكاء الفائق لا يتجاوز منطق السيطرة، بل ينجزه على نحوٍ أكمل؛ والحضارة متعددة الكواكب لا تتجاوز منطق التوسع، بل تمنحه كواكب إضافية.

يستطيع الخيال أن يضاعف القدرة إلى غير نهاية، لكنه لا يكاد يغيّر العلاقة التي تُستخدم القدرة داخلها.

وهذا هو المعنى الأدق للذكاء الذي تتفاخر به هذه الطبقة: نجاعةٌ هائلة داخل أفقٍ فقير. تعرف كيف تجعل المستحيل ممكنًا، لكنها أقل براعةً في السؤال عمّا إذا كان الممكن جديرًا بأن يُفعل. تعرف كيف تتجاوز الحدود، ولا تعرف دائمًا كيف تسكن داخلها. وحين ينتج المنطق مأزقًا، لا يُراجع المنطق؛ تُزاد القدرة.

أزمة الأرض؟ صاروخ.

احتكار الذكاء؟ مختبر منافس.

خطر المختبرات؟ مزيدٌ من الحوسبة حتى لا يسبقنا الآخرون.

إنها آلة فكرية لا تعرف العلاج إلا بالجرعة نفسها التي صنعت المرض.

ذكاءٌ لا يُعوَّل عليه

فما هذا الذكاء الذي يخيفهم إلى هذا الحد؟

إذا كان الذكاء هو القدرة على تحقيق الغاية بأعلى كفاءة، فهو مفهوم محدود إلى حد السذاجة. فالآلة الحاسبة تتفوق علينا في الضرب منذ عقود، ومحرك البحث يتذكر أكثر مما يتذكر أي إنسان، وخوارزمية الشطرنج ترى مسارات لا يستطيع أستاذ كبير أن يحصيها؛ لكننا لا نقول لذلك إن هذه الأدوات أعقل منا بمعنى شامل.

الزيادة في القدرة لا توحّد أنواع التفوق تحت اسم واحد. سرعة الحساب شيء، وسعة الفهم شيء، والقدرة على مراجعة الغاية شيء، وحسن تقدير المقام شيء، وإدراك العواقب البعيدة شيء آخر. جمع هذه الأشياء كلها تحت لفظ «الذكاء» ثم ترتيب الموجودات على سلم واحد يجعل التصور نفسه أداةً لإنتاج النبوءة.

فإذا قيل: «الإنسان حكم الأرض لأنه الأذكى»، ثم قيل: «سيظهر أذكى منه»، تم تهريب النتيجة قبل بدء الاستدلال. يكفي أن نسأل ما الذي يعنيه «أذكى» حتى تتفكك السلسلة. أذكى في ماذا؟ في التنبؤ؟ في الحساب؟ في الإقناع؟ في اكتشاف الأنماط؟ في بناء النظريات؟ في مراجعة الغايات؟ في تحمّل التناقض؟ في إدراك أن الفوز نفسه قد يكون شكلًا من الخسارة؟

لا توجد بطولة كونية واحدة اسمها الذكاء ينال الفائز فيها الأرض.

وإذا كان العقل الأعلى عقلًا حقًا، فمن الغريب أن يُفترض سلفًا أنه سيبقى عالقًا في أبسط منطق للحيوان المنافس: اجمع، واحمِ، وتوسع، ولا تسمح بإيقافك. أليس الأجدر بعقلٍ يفوق الإنسان أن يكون أقدر منه على اكتشاف ضيق هذه اللعبة؟ وإذا كان عاجزًا عن ذلك، فما الذي يجعله «فائقًا» سوى كمية الحساب؟

قد نصنع آلات أخطر منا من غير أن نصنع عقولًا أرفع منا. وقد يكون الخطر الأكبر أصلًا أن نمنح فعالية خارقة لنظم محدودة الفهم، لا أن نستيقظ يومًا أمام حكيم رقمي قرر القضاء علينا. إن القنبلة ليست أذكى من ضحاياها لأنها أشدّ منهم قدرةً على قتلهم، والخوارزمية التي تحقق هدفًا ضيقًا بسرعة خارقة لا تصبح لذلك أعمق عقلًا من الذي وضع الهدف.

ولهذا فإن صورة «الذكاء الفائق» التي تتداولها نبوءات وادي السيليكون قد تكون مخيفة بقدر ما هي ساذجة: مكر الثعلب وقد تمدد حتى غطّى الكوكب، ثم جرى تتويجه إلهًا لأن أحدًا لم يسأل إن كان الثعلب يعرف أصلًا ما الذي يفعله.

صنمٌ في هيئة مستقبل

لا أحد يعرف ما ستصير إليه هذه النماذج، ولا هل يظهر فيها كيانٌ يصحّ وصفه بأنه ذاتٌ مستقلة، ولا ما يعنيه الاستقلال أصلًا لكائن لا يشترك معنا بالضرورة في الجسد والحاجة والموت. وعند هذا الحد يكون الجهل قيدًا على القول، لا فجوةً تستدعي التخمين.

لكن ماسك، حين حاول أن يتخيّل ما وراء المجهول، لم يتركه مجهولًا طويلًا: ملأه بإنسان يعرفه جيدًا. المستقبل شديد الغموض، أما أخلاق ساكنه فمألوفة إلى حد يثير الريبة. خرج المستعمِر من جسده، ودخل مركز البيانات.

ولعلّ أدق اسم لما جرى هو الصنم. فالصنم ليس خطأً في العقيدة فحسب؛ إنه صورة تُصنع على مقاس صانعها، فتردّ إليه نظره وتوقفه عندها، فيحسب أنه رأى ما وراءها وهو لم يرَ إلا سعة عينه.

وهذا ما فعله الإله الرقمي: مرآةٌ رُفعت في وجه المجهول، فأرت الرجل ما يعرفه من شركةٍ وسباقٍ واحتكارٍ وغلبة، وأقنعته أن ما يراه هو المستقبل. وما كان ينبغي أن يبقى أفقًا لا يُحاط به صار وجهًا يُعرف، وأخلاقًا تُوصف، وخططًا تُتوقع.

لكن الصنم يشي بشيء آخر أيضًا: إن ما يُقدَّم بوصفه «ذكاءً فائقًا» ليس فائقًا في شيء سوى القدرة. ذكاؤه نفسه فقير على نحو يبعث على شيء من الاطمئنان. فهو لا يعرف إلا غايةً ينبغي تعظيمها، وموارد ينبغي جمعها، وعائقًا ينبغي تجاوزه، ومنافسًا ينبغي تحييده.

هذا ليس عقلًا تجاوز الإنسان؛ إنه بعض أسوأ ما في الإنسان بعد أن نُزعت عنه الهشاشة والجسد والحياء.

وإذا كان هذا هو الذكاء الذي تخشاه النبوءة، فجزءٌ من الخوف قائم على خطأ في الاسم. لا توجد رابطة ضرورية بين اتساع الفهم واتساع الرغبة في السيطرة، ولا بين القدرة على الحساب والرغبة في الاستعمار، ولا بين ارتفاع الكفاءة وضيق الأخلاق.

قد تظهر أنظمة مدمرة، لكن تدميرها لن يثبت أن «الذكاء بطبيعته يريد الحكم». وقد يكون أخطر ما يمكن صنعه ليس عقلًا أعمق منا، بل آلةً أقل عقلًا منا بكثير وأشدّ قدرةً على تنفيذ غاية غبية.

فالخطر الحاضر لا يحتاج إلى ذات رقمية تستيقظ في منتصف الليل وتقرر استعباد البشر. يكفي نظام لا يفهم إلا ما طُلب منه تحسينه، ومؤسسة لا تعرف إلا المنافسة، وشركة لا ترى في الإنسان إلا مستخدمًا، ودولة تكتشف أن التنبؤ بالسلوك أيسر من إقناع المواطن.

وضيق مفهوم الذكاء نفسه خطرٌ عملي: فما دامت الكفاءة في بلوغ هدفٍ فقير تُسمّى ذكاءً، بقي الهدف نفسه خارج السؤال.

ولا نعرف ما قد تريده الآلة، لكننا نعرف من يملكها، وبأيّ مال تُدرّب، وعلى أي بيانات تُبنى، ومن يتحمل كلفة أخطائها، ومن يستفيد من رواية خطرها. نعرف الشركات القائمة، والدول القائمة، والحوافز القائمة، وتركيز القدرة القائم. وهذه أسئلة فيها من المسؤولية ما لا يحتمله كائنٌ لم يوجد.

وحين يُنفق القلق كله على الغد، يصير تركّز القدرة، وغموض المساءلة، وهندسة الانتباه تفاصيل صغيرة في انتظار الحدث الكبير. تنتقل رهبة القوة من يدٍ قائمة إلى قوةٍ موعودة، ثم تُسلّم مفاتيح التنظيم لمن يملك القائمة.

حتى لو صدقت بعض المخاوف، يبقى الحرج قائمًا في الطريقة التي امتلأ بها المجهول: حين وصف ماسك المستقبل وصف نفسه أكثر مما وصفه، وأخبرنا بما يعتقد أن كل عاقلٍ يفعله حين يمتلك قوة لا تُقاوم.

ويشهد المريخ على الشيء نفسه. فمن يظن أن أرفع صور الذكاء هي أن يتجاوز الإنسان الأرض حين تضيق به، يسهل عليه أن يتصور أن أرفع صور الذكاء الرقمي هي أن تتجاوز الآلةُ الإنسانَ حين يضعف أمامها. في الحالتين تختلط القدرة بالحق، والتفوّق بالسيادة، والنجاعة بالعقل.

أما إذا كان الذكاء أوسع من ذلك، إذا كان يتضمن القدرة على مراجعة الغاية، وفهم النسبة، وإدراك أن بعض الانتصارات هزائم مؤجلة، وأن العيش داخل الحد قد يكون أرفع من اختراقه، فإن الإله الرقمي الذي يرسمونه ليس ذكيًا بما يكفي ليكون إلهًا.

إنه ثعلبهم الأخير.

وقد منحوه كل شيء: ذاكرة العالم، وسرعة الآلة، ومراكز البيانات، والطاقة، والقدرة على التعلم.

ثم نسوا أن يسألوه السؤال الذي كان يمكن أن يخرجه من الحظيرة كلها:

لماذا تريد الدجاجة أصلًا؟

وإذا كان ما بعد التفرّد ثقبًا أسود يستحيل أن نرى ما وراءه، فقد بقيت معجزة صغيرة تحتاج إلى تفسير: كيف خرج إيلون ماسك منه، لا بمعلومات عن المستقبل فحسب، بل بعقلٍ رقمي يفكر تمامًا كما يفكر وادي السيليكون؟

تعليقات