الحرب — لويس غاليت
تقع الحرب على صدر أمٍّ تحاول أن تكون سقفًا لأطفالها، فلا تجد غير جسدها. هناك، حيث لا يفصل أطفالها عن الموت إلا ذراعان مرتجفتان، وحيث ينكمش العالم كله في حضن امرأة تحاول أن تحمي ما تبقى لها منه، تكون أرض المعركة أرضنا. ليست الأرض التي تتنازعها الجيوش، ولا الحدود التي تُرسم وتُمحى، بل هذا الموضع الذي لا يعود فيه للرايات والخطب أن تستر ما يجري: إنسانٌ بعينه يُعرَّض للموت. عند صدرها تسقط البلاغة التي تُجمّل الحرب، ولا تبقى إلا حياةٌ تستغيث بالحياة.
وما أفدح أن تصير المسافة بين الحياة والموت سُمك جسدٍ واحد، وأن يكون آخر ما يملكه الإنسان من حصنٍ هو لحمه. فالخريطة التي يتنازعها القادة شيء، والأرض التي تبلغها الحرب شيء آخر؛ الأولى ورقٌ تُنقل عليه الحدود بأصابع نظيفة، والثانية أجسادٌ لا تُنقل ولا يُعاد رسمها. قد يكون صدر تلك الأم بعيدًا عن بيوتنا، لكننا حين نراه لا نستطيع أن نقول إن الحرب تقع على أرضٍ لا تعنينا؛ فما تحاول حمايته في أطفالها هو ما نخاف عليه فيمن نحب: حياةُ كل واحدٍ منهم بعينه، لا حياةٌ عامةٌ يقوم فيها إنسانٌ مقام آخر.
آه أيها القاتل، يا من توهمت أنك سيد الحياة والموت، وأن بلمسة يدٍ تستطيع أن تكتب مصائر الآخرين، أما رأيت أن أرض المعركة التي تتوهم امتلاكها ليست إلا صدر أمٍّ يحتمي به أطفالها؟ أتظن أنك حين تُسقط جسدًا قد امتلكت مصيره، أو أنك حين تُخمد صرخة قد محوت أثر صاحبها؟ إنك لا تملك من الموت إلا إحداثه، أما ما يتركه وراءه فلا سلطان لك عليه. ستغادر ساحة القتل، لكنك لن تستطيع إلغاء ما فعلت؛ ستبقى الضربة منسوبةً إليك، وسيبقى في حياة الآخرين ما أحدثه غيابُ من قتلت.
وقد تمهّد اللغة للسلاح حين تنزع الأسماء عن أصحابها، فيصير الناس أرقامًا وأصنافًا وأوصافًا، ويُستبدل بالخاصِّ الذي لا بديل له عامٌّ يقبل البدل. عندئذ يسهل أن يُقال عن قتلهم إنه عمليةٌ أو هدفٌ أو ضرورة، كأن الرصاص لم يبلغ عينًا بعينها. لكن القاتل قد يعرف أيضًا مَن يقتل، ويرى الوجه الذي يقصده، ثم يطلق النار؛ فلا تُسقط معرفتُه بإنسانية المقتول مسؤوليتَه، كما لا تُسقطها اللغةُ التي حجبتها عنه. وفي الحالين تمتد الجناية إلى ما بعد الضربة حين يُروى موت الإنسان كما يُروى سقوط شيءٍ من الأشياء. ولئلا يكتمل هذا المحو، ينبغي ردُّ الأسماء إلى أصحابها، لا لأن الاسم يعيد صاحبه، بل لأن لكل مقتولٍ وجهًا لا يشبه غيره، وبيتًا يعرف وقع خطواته.
وأنت أيها المقتول، يا من تسقط صريعًا ولا يُمحى أثرك، لا يختصرك جسدٌ سكنت حركته، ولا دمٌ ابتلعته الأرض، ولا رقمٌ تُضاف إليه حين يعجز العالم عن إحصاء وجوه ضحاياه. كنتَ حياةً لها ما قبلها وما كان ينتظرها، واسمًا يناديه أحد، وعالمًا لا يعرف القاتل منه شيئًا، لكنه توهم أنه امتلك حق إنهائه. إن موتك لا يمحو ما أحدثه وجودك في حياة الآخرين؛ يبقى أثرك فيهم، لكنك أنت لا تعود إليهم، ولا يصير الأثر بدلًا منك. فالقتل ليس موتًا يقع على المقتول وحده؛ إنه يقطع عوده، ويترك مَن بقي أمام حياةٍ دخل فيها هذا الانقطاع، ولا سبيل إلى محوه.
العودة إلى الوطن — نورمان روكويل
يعود بعضهم من الحرب، فتندفع إليهم الأذرع عند الأبواب، وتهرع إليهم وجوهٌ عاشت على احتمال الغياب. تضجّ كل دارٍ باسم عائدها؛ تسمع الأم صوتًا خافت ألّا تسمعه ثانيةً، ويتشبث الطفل بجسدٍ كان يخشى أن يتحول إلى صورة. الاسم هو الاسم، والعائد هو مَن انتظروه، لكن شيئًا لا يعود إلى موضعه الأول: لقد عاش الغائب ما عاش، وعاش أهله انتظارَه، ودخل ما وقع فيهم جميعًا. يفتح الباب الذي كان يفتحه، ويجلس حيث كان يجلس، فيبدو المشهد مألوفًا، غير أن الألفة لا تردّ الزمن الذي انقضى. وللحرب عائدون، وللبيوت التي أرهقها الانتظار لحظاتٌ تنسى فيها ما كابدته، لكن ليس فيهم أحدٌ يعود إلى ما غادره.
وقد كنا نحسب العودة أمرًا يتكرر فلا يستحق الانتباه؛ يخرج الإنسان ويرجع، ويُفتح الباب في موعده، فنطمئن إلى أن الغد سيشبه الأمس. لكن كل عودة تقع مرةً واحدة، ولو تشابهت الأبواب والأصوات والخطوات؛ فما من يومٍ يعيد اجتماع من فيه كما كان. ليست الحرب هي التي تمنح هذه اللحظات فرادتها، وإنما تنتزع منا الطمأنينة التي كانت تحجبها: تجعل بقاء الإنسان حيًّا خبرًا يُبشَّر به، وأن يُفتح الباب فيظهر وجهه نعمةً لم يكن أحدٌ يحسب أنه قد يُحرمها.
لكن ليس لكل غائبٍ عود، ولا لكل بابٍ أن يُفتح على وجهٍ انتظره أهله. في البيوت الأخرى تحفظ الأمهات مواضع أبنائهن، ويكبر الأطفال وهم يسمعون اسمًا لا يأتي صاحبه حين يُنادى. ولا يملأ هذا الموضعَ عائدٌ آخر، مهما اشتد الفرح بعودته؛ فالذي فُقد عينٌ بذاتها، لا فراغٌ يُسدّ بإنسان. وبين فرح العائدين وصمت تلك البيوت تنكشف فداحة لا تحصيها أرقام القتلى: لقاءاتٌ لن تقع، وأيامٌ كان يمكن أن تُعاش، وطفلٌ لن تُتاح له يدُ أبيه حين يتعثر. فالذي انقطع ليس ماضي المقتول، بل إمكانُ أن يكون حاضرًا في حياة مَن بقي.
والانتظار ليس زمنًا فارغًا يقطعه الأهل حتى يجيء الخبر؛ إنه يحدث فيهم كما تحدث الحرب في الغائب. يتبدل إيقاع البيت، ويصغي أهله إلى وقع الخطوات، ويصير كل طارقٍ احتمالًا. وإذا انقطع الخبر، أقامت الحرب المنتظرين بين رجاءٍ يخافون التفريط فيه وحزنٍ لا يجرؤون على التسليم له؛ يحفظون مكان الغائب لعلّه حيّ، ويترددون في رثائه لعلّه آتٍ. وبين الاحتمالين تمضي أيامهم، فيكبر طفلٌ وهو ينتظر، وتشيخ أمٌّ وهي تُبقي الباب مواربًا. فإذا عاد الغائب وجد أهله وقد غيّرهم انتظارهم له، كما غيّره غيابه؛ وإن ثبت موته، بقيت الأيام التي أمضوها بين الرجاء والخوف جزءًا مما صاروا إليه. فالحرب لا تُبقي الغائب بعيدًا عن بيته فحسب، بل تغيّر أيضًا مَن كانوا ينتظرون عودته.
آه أيها القاتل، لو رأيت أمًّا تعانق ابنها، وطفلًا يركض إلى أبيه، وامرأةً يتبدل وجهها حين ترى من تحب، لعرفت شيئًا مما تقطعه حين تمنع غائبًا من العودة. لست تُسقط صورةً من صور الناس، بل تحرم عينًا لا تُستبدل لقاءً كان يمكن أن يكون لها، وتحرم المنتظرين أن يلقوها. وما أشد بؤس القوة حين لا تجد برهانًا على نفسها إلا في قطع عودة إنسانٍ وجعل بيته يحفظ له مكانًا لا يملؤه أحد!
الوداع الطويل — رون فرانسيس
قد يخرج المرء من موضع الخراب حاملًا من يحبّ، فلا يدري أيهما يحمل الآخر: ذراعاه تسندان جسدًا أُنهك، وهو يتشبث به كأن بوسعه أن يحفظ فيه ما تبقى من عالمه. وراءه بيتٌ لم يبقَ بيتًا، وأمامه عتبةٌ لا يدري ما يلقاه بعدها. ليس كل خروجٍ نجاةً مكتملة، ولا كل ابتعادٍ عن ساحة القتل خروجًا من الحرب. قد يبلغون مأوى وسريرًا آمنًا وليلًا ساكنًا، لكنهم لا يجدون بالضرورة الطمأنينة التي كانوا يعرفونها. إن الحرب لا تكتفي بمن تقتلهم؛ إنها تدخل في استعداد الأحياء للحياة، وتغيّر علاقتهم بما كانوا يجدونه مألوفًا.
ولذلك لا تنتهي الحرب عند آخر طلقة؛ فقد يسكت السلاح وتبقى في بعض الأبدان عاداتٌ نشأت تحت تهديده. قد يجفل الناجي من صوت الباب، وينام نومًا يتخلله الترقب، ويمشي في شارعٍ آمنٍ وعينه تبحث عن المخارج. وقد يقدر آخر على النوم والضحك والعمل، ثم تفاجئه ذكرى ما فقد في لحظة كان يظنها عادية. ليس للنجاة وجهٌ واحد، ولا يصح أن تُختصر في خوفٍ دائم؛ لكن انتهاء الخطر لا يأمر ما وقع في الإنسان أن ينتهي معه. من رأى عالمه ينهار قد يحتاج إلى أن يبني ثقته به على مهل. فالسلام ليس ردَّ الأيام إلى ما كانت عليه، وإنما إتاحة الحياة لمن بقوا كي يجدوا فيها أمانًا جديدًا، دون أن يُطالَبوا بأن يصيروا كما كانوا قبل الحرب.
يا له من وداع طويل، ذلك الذي لا ينتهي حين نفترق، بل يمتد حين نكتشف أن ما ودّعناه لم يكن شخصًا وحده، وإنما حياةً كانت ممكنةً بحضوره. يحمل الناجي مَن يحبّ، ولا يدري ما الذي ينتظره وراء الباب: هل يجد مَن يعينه على ما أصابه، أم خبرًا بفقدٍ آخر لا سبيل إلى تداركه؟ بعض من غابوا لن يكونوا بين العائدين. وحتى حين يصل الناجي إلى بيته، فيجد الأشياء في أماكنها والأبواب تُفتح وتُغلق، لا يكون الطريق الذي قطعه قابلًا للمحو. يعود صاحب التجربة نفسه، حاملًا ما لم يكن يحمله؛ وعليه أن يعيش مع مَن بقي، لا أن يمثّل أمامهم صورة نفسه التي غادرت.
والشهادة على الحرب لا تنتهي بانصراف العين عن مشاهدها. وليس القاتل وحده من يُسأل، لكن من الخطأ أن تُسوّى المسؤوليات: مَن يطلق الرصاص، ومَن يصوغ للقتل مبررًا، ومَن يزيّن الجريمة ببلاغته، ليسوا في مقام مَن يشاهد عاجزًا عن منعها، أو يلوذ بالصمت خوفًا. ومع ذلك، قد تصنع كثرة المشاهدة في البعيدين عن الحرب ألفةً موحشةً معها؛ فيمر خبر القتلى بين خبرٍ وآخر، حتى يكاد الوجه يصير عددًا، والبيت المهدّم صورةً تُطوى. ليست الشهادة أن يظل الإنسان مفجوعًا في كل ساعة، بل ألّا يستعير لغة القاتل، وألّا يجعل غياب المقتولين عن الشاشة سببًا لغيابهم عن ذاكرته وعنايته بمَن بقوا بعدهم. فقد يعجز الشاهد عن ردّ الرصاص، لكنه يستطيع، حيث يملك الكلام، أن يردّ إلى المقتول اسمه، وإلى ما وقع عليه حقيقته.
فإلى متى نظل نقتل ونُقتل، ثم نحسب أن الحرب تنتهي حين تسكت أسلحتها؟ أيها القاتل، ألقِ سلاحك؛ فأنت حين تتوهم أنك لا تفعل سوى إنهاء حياةٍ واحدة تترك وراءك أمًّا تحمي أطفالها بجسدها، وبابًا ينتظر مَن لن يطرقه، وناجيًا يحمل من يحبّ إلى حياةٍ عليه أن يتعلمها من جديد. وأيها المقتول، سامحنا إن بقي في الموت متسعٌ للمغفرة؛ فقد تأخرنا كثيرًا في الدفاع عن الحياة. ومَن انقطع عوده لن يعود، ومَن بقي لن يخرج من الواقعة كما دخلها؛ فالموت يقطع العود ولا يمحو الأثر.



تعليقات
إرسال تعليق
برجاء مراعاة أن يكون تعليقك في نفس الموضوع.